ابن خلدون
358
تاريخ ابن خلدون
وأمصارا ورساتيق من بلاد الأندلس والشام ومصر وعراق العجم وأمثالها لان العجم ليسوا بأهل أنساب يحافظون عليها ويتباهون في صراحتها والتحامها إلا في الأقل وأكثر ما يكون سكنى البدو لأهل الأنساب لان لحمة النسب أقرب وأشد فتكون عصبيته كذلك وتنزع بصاحبها إلى سكنى البدو والتجافي عن المصر الذي يذهب بالبسالة ويصيره عيالا على غيره فافهمه وقس عليه والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق الفصل الثامن في أن المباني والمصانع في الملة الاسلامية قليلة بالنسبة إلى قدرتها والى من كان قبلها من الدول والسبب في ذلك ما ذكرنا مثله في البربر بعينه إذ العرب أيضا أعرق في البدو وأبعد عن الصنائع وأيضا فكانوا أجانب من الممالك التي استولوا عليها قبل الاسلام ولما تملكوها لم ينفسح الأمد حتى تستوفى رسوم الحضارة مع أنهم استغنوا بما وجدوا من مباني غيرهم وأيضا فكان الذين أول الأمر مانعا من المغالاة أو البنيان والاسراف فيه في غير القصد كما عهد لهم عمر حين استأذنوه في بناء الكوفة بالحجارة وقد وقع الحريق في القصب الذي كانوا بنوا به من قبل فقال افعلوا ولا يزيدن أحد على ثلاثة أبيات ولا تطالوا في البنيان والزموا السنة تلزمكم الدولة وعهد إلى الوفد وتقدم إلى الناس أن لا يرفعوا بنيانا فوق القدر قالوا وما القدر قال لا يقربكم من السرف ولا يخرجكم عن القصد فلما بعد العهد بالدين والتحرج في أمثال هذه المقاصد وغلبت طبيعة الملك والترف واستخدم العرب أمة الفرس وأخذوا عنهم الصنائع والمباني ودعتهم إليها أحوال الدعة والترف فحينئذ شيدوا المباني والمصانع وكان عهد ذلك قريبا بانقراض الدولة ولم ينفسح الأمد لكثرة البناء واختطاط المدن والأمصار إلا قليلا وليس كذلك غيرهم من الأمم فالفرس طالت مدتهم آلافا من السنين وكذلك القبط والنبط والروم وكذلك العرب الأولى من عاد وثمود والعمالقة والتبابعة طالت آمادهم ورسخت الصنائع فيهم فكانت مبانيهم وهياكلهم أكثر عددا وأبقى على الأيام أثرا واستبصر في هذا تجده كما قلت والله وارث الأرض ومن عليها